الشيخ محمد رشيد رضا

584

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وصنعه ، عليم بشؤون خلقه وسياسة عباده ، وسيريك شاهد ذلك عيانا في سيرتك مع قومك ، كما أراكه بيانا في ما كان من إبراهيم مع قومه ، وقد زعم الرازي أن هذه الآيات تدل على أن معارف الأنبياء بربهم استدلالية لا ضرورية ، والا لما احتاج إبراهيم إلى الاستدلال ، وعلى أنه لا طريق إلى معرفة اللّه تعالى الا النظر والاستدلال بأحوال المخلوقات ، إذ لو أمكن تحصيلها بغير ذلك لما عدل عليه الصلاة والسّلام إلى هذه الطريقة . وقد علم مما فسرنا به الآيات بطلان الحصر في هذين الزعمين وبطلان غيره من مزاعمه النظرية في هذا المقام . والحق ان معرفة اللّه تعالى لا تحصل على الوجه الصحيح الا بالوحي ، وعلم الأنبياء به ضروري لا نظري ، فقد علمهم به ما لم يكونوا يعلمون بنظرهم من المسائل ، وعلمهم ما يثبتونها به من الحجج العقلية والدلائل ، ولكن من طرق دعوتهم إلى ما هداهم اليه ، ومن استدلالهم عليه بعد اعلامهم به ، ما هو كسبي لهم يؤدونه بنظرهم واستدلالهم ، وقد اطلعنا على نظريات فلاسفة اليونان ، وغيرهم من الفلاسفة وعلماء الكلام ، فوجدنا أكثرها في باب الإلهيات أوهام ، وقد اعترف الرازي نفسه بذلك في آخر عمره ، وندم على ما فرط فيه ، ولنا بيتان في هذا المقام ، قلناهما في أيام تحصيل علم الكلام يا أيها الرجل الذي * هو جاهد في الفلسفة ما ذا يروقك من تعل * ها وأكثرها سفه * * * ( 85 ) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا ، وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ ، وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ ، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 86 ) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 77 ) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ ( 88 ) وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 89 ) ذلِكَ هُدَى اللَّهِ